ابن ميثم البحراني

197

شرح نهج البلاغة

أحدهما : أنّ الإسلام كان في ذلك الوقت غضّا ، وقلوب كثير من العرب ممّن أسلم غير مستقرّة بعد فإذا انضاف إلى من لم يسلم منهم وعلموا خروجه وتركه للبلاد كثر طمعهم وهاجت فتنتهم على الحرمين وبلاد الإسلام فيكون ما تركه ورائه أهمّ عنده بما يستقبله ويطلبه ويلتقي عليه الفريقان من الأعداء . الثاني : أنّ الأعاجم إذا خرج إليهم بنفسه طمعوا فيه وقالوا المقالة . فكان خروجه محرّصا لهم على القتال وهم أشدّ عليه كلبا وأقوى فيه طمعا . وقوله : فأمّا ما ذكرت من مسير القوم . إلى آخره . فهو أنّه قال له : إنّ هؤلاء الفرس قد قصدوا المسير إلى المسلمين وقصدهم إيّاهم دليل قوّتهم ، وأنا أكره أن يغزونا قبل أن نغزوهم . فأجابه بأنّك إن كرهت ذلك فإنّ اللَّه تعالى أشدّ كراهيّة ، وأقدر منك على التغيّر والإزالة . وهذا الجواب يدور على حرف وهو أنّ مسيرهم إلى المسلمين وإن كان مفسدة إلَّا أنّ لقائه لهم بنفسه فيه مفسدة أكبر ، وإذا كان كذلك فينبغي أن يدفع العظمى ، ويكل دفع المفسدة الأخرى إلى اللَّه تعالى فإنّه كاره لها ومع كراهيّته لها فهو أقدر على إزالتها . وقوله : وأمّا ما ذكرت من عددهم . إلى آخره . فهو أنّ عمر ذكر كثرة القوم وعددهم فأجابه عليه السّلام بتذكير قتال المسلمين في صدر الإسلام فإنّه كان من غير كثرة ، وإنّما كان بنصر اللَّه ومعونته فينبغي أن يكون الحال الآن كذلك . وهو يجرى مجرى التمثيل كما أشرنا إليه في المشورة الأولى ، وبوعد اللَّه تعالى المسلمين بالاستخلاف في الأرض وتمكين دينهم الَّذي ارتضى لهم وتبديلهم بخوفهم أمنا كما هو مقتضى الآية . 146 - ومن خطبة له عليه السّلام فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم بِالْحَقِّ - لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ - ومِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ - بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ